عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
28
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين . وقيل إن قوما قصدوا أن يقتلوه فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا بهذا التحاكم فعلم غرضهم وأراد أن ينتقم منهم ، فظن أن ذلك ابتلاء من اللَّه له * ( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّه ) * مما همّ به * ( وأَنابَ ) * . فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 ) * ( فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ ) * أي ما استغفر عنه . * ( وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى ) * لقربة بعد المغفرة . * ( وحُسْنَ مَآبٍ ) * مرجع في الجنة . * ( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ ) * استخلفناك على الملك فيها ، أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق . * ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) * بحكم اللَّه . * ( ولا تَتَّبِعِ الْهَوى ) * ما تهوى النفس ، وهو يؤيد ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته . * ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * دلائله التي نصبها على الحق . * ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ) * بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل ، فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى . وما خَلَقْنَا السَّماءَ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتابٌ أَنْزَلْناه إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِه ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ( 29 ) * ( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلاً ) * خلقا باطلا لا حكمة فيه ، أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله : * ( وما خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) * أو للباطل الذي هو متابعة الهوى ، بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله : * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * على وضعه موضع المصدر مثل هنيئا * ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * الإشارة إلى خلقها باطلا والظن بمعنى المظنون . * ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) * بسبب هذا الظن . * ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ ) * * ( أَمْ ) * منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلا ليدل على نفيه وكذا التي في قوله : * ( أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) * كأنه أنكر التسوية أولا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم ، ويجوز أن يكون تكريرا للإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم ، والآية تدل على صحة القول بالحشر ، فإن التفاضل بينهما إما أن يكون في الدنيا والغالب فيها عكس ما يقتضي الحكمة فيه ، أو في غيرها وذلك يستدعي أن يكون لهم حالة أخرى يجازون فيها . * ( كِتابٌ أَنْزَلْناه إِلَيْكَ مُبارَكٌ ) * نفاع ، وقرئ بالنصب على الحال . * ( لِيَدَّبَّرُوا آياتِه ) * ليتفكروا فيها فيعرفوا ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة . وقرئ « ليتدبروا » على الأصل و « لتدبروا » أي أنت وعلماء أمتك . * ( ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ) * وليتعظ به ذوو العقول السليمة ، أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل ، فإن الكتب الإلهية بيان لما لا يعرف إلا من الشرع ، وإرشاد إلى ما يستقل به العقل ، ولعل التدبر للمعلوم الأول والتذكر الثاني . ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْه بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ( 31 )